Social Share Toolbar

«أنت تحبّني، هو يحبّني، نحن نحبّ بعضنا البعض، هم يحبون بعضهم البعض»… عند التفكير ملياً في الأمر، نلاحظ أننا لا نقول «أنا أحب نفسي»، قد يبدو الأمر مثيراً للسخرية ولكن لنتوقفّ قليلاً عنده، ولنطرح على أنفسنا سؤالاً بسيطاً: «أليس حبّ الذات أساس كل شيء؟».

خلال مرحلة الطفولة، لا نسأل أنفسنا ما هي النظرة التي نحملها عن ذاتنا، فمن الطبيعي في تلك السن أن نحب أنفسنا. لا يلحق أي طفل الأذى بنفسه عمداً، قد يحصل هذا الأمر في سن لاحقة ولأسباب قد تبدو غامضة، إنما موجودة وحقيقية من دون شك.
العلاقة مع الآخرين هي العامل الأساس الذي سيشكّل النظرة التي نحملها تجاه أنفسنا. ينشأ تقدير النفس شيئاً فشيئاً وينمو بحسب المحيط الذي نعيش في ظله.
في الطفولة يتأثّر الطفل بوالدته التي تعتني به وترعاه وتطعمه وتغدق عليه الحبّ والحنان، فيشعر بأنّه يستحقّ الحب، حتى إن لم يتمكّن من ترجمة ذلك على أرض الواقع، ويشكّل نظرة إيجابية عن ذاته منذ اللحظة التي يعي فيها أنّه مميز بالنسبة إلى والدته.
يجمع اختصاصيون في علم نفس الأطفال أن هذا الحب الذي يحيط بالطفل يدفعه إلى الأمام خلال نموّه، ويسهل عليه إقامة علاقات بينه وبين أصدقائه أو المحيطين به، خصوصاً في سن المراهقة، فيتمكن من السير نحو المستقبل بثقة وثبات.

متانة الأساس

غالباً ما يتم تشبيه بناء شخصية الإنسان ببناء منزل، متانة الأساس هي الأهم. الشخص الذي حظي برعاية كافية في الطفولة وبتأثير إيجابي في سن المراهقة هو الذي يقبل على الحياة، في مرحلة البلوغ، بثقة ومناعة أو حصانة نوعاً ما ضد الأشخاص الذين قد ينتقدونه أو يتمنون له السوء.
أيضاً، بإمكان المنزل القوي البنية الصمود أمام مناخات متغيرة، وهزات أرضية. من هنا يتيح وجود هذا الأساس عند الأشخاص بأن يثقوا بالحياة عموماً، فمع مرور الوقت، يتبيّن أن للأمر تأثيراً على الأصعدة الحياتية المختلفة، قد يجري شاب مثلاً مقابلة عمل  بثقة في سلوكه وخطابه، ويمكن  لشاب آخر، وإن كان مجتهداً أيضاً، أن يجري المقابلة بتردد وخجل، ليس لأن المعرفة تنقصه بل لأنه لا يملك التقدير الكافي لنفسه، ما يدفعه إلى العدائية والغضب وقد يصاب باكتئاب.
مهما كانت التسمية التي نطلقها، حب، تقدير، ثقة، فنحن بحاجة إلى هذا الأمر كسلاح لمواجهة الحياة.

أهمية الآخر

في استعادة لمثل المنزل، يمكن للأساسات غير المتينة أن تفسح المجال لأعمال ترميمية. لكن الأمر عند البشر أكثر تعقيداً، ويكاد يكون مستحيلا إتمام إصلاحات في مواضع خلل معينة، لكن إقامة علاقة غرامية مع شخص يريد الخير لنا، ويثبت عن حبه وكرمه، ستتيح لنا الاندفاع إلى الأمام والتعويض عما نكون خسرناه خلال الطفولة.
الحب الذي نحمله إلى الشخص الآخر في هذه الحالة أقل أهمية من الحب الذي نتلقاه. يمكن أن تساهم الصداقة في التعويض عن نقص الحب في سن الطفولة، كذلك زيارة الطبيب النفسي واستكشاف مكامن الخلل، وكيفية تكوين صورة أكثر إيجابية عن الذات المتضررة.

نظرة واقعية

من المهم أن نعرف من نحن ومن أين نأتي، وما هي الأمور التي صقلت شخصيتنا على النحو الذي هي عليه. أثبتت دراسات أن النظرة الشديدة الإيجابية التي يملكها أشخاص عن أنفسهم ليست بالضرورة واقعية. وقد يملك البعض ميلاً إلى عدم الأخذ برأي الآخر، وإن كان على قدر معين من الأهمية. هذا الأمر ليس إيجابياً، إذ ليس صحياً ألا نتقبل النقد البناء الذي يوجهه لنا شخص ما ويساهم في تطوير حيّز ما من شخصيتنا. من الصعب أن يكون للشخص نظرة واقعية عن نفسه، سواء كان الأمر متعلقاً بالشخصية، الجانب الجسدي أو حتى الجانب النفسي. طبعاً من المسموح أن نتسلّح بالتفاؤل، لكن يجب أن يتزامن ذلك مع الواقعية، والاعتراف بالأخطاء أو مكامن الخلل في الشخصية.

حب الذات والنرجسية

من المهم ألا يتحول حب الذات إلى «نرجسية»، فقد انتهى نارسيس الذي كان آية في الجمال فعشق نفسه عندما رأى وجهه في الماء، ولم يعد قادراً على التواصل مع أي من محيطه، ما سبب له صعوبات حياتية جمّة…
رأي المرء الإيجابي في نفسه يجب أن يأتي جنباً إلى جنب مع القدرة على حب الذات بطريقة تدفعها إلى الأمام، أي الاعتناء بصحته العاطفية وصحته النفسية والجسدية. وهذا لا علاقة له بالنرجسية التي تعني المبالغة والتركيز على أهمية الإنجازات الشخصية، الانشغال بأوهام النجاح غير المحدودة، القوة، والألمعية وحب الظهور: كطلب الفرد الانتباه إليه والإعجاب به باستمرار. لذلك، من المهم التفريق بين العناية بالنفس وبين الأنانية، والتحلّي بوعي كافٍ للقيام بذلك على نحو صحيح.

أرسل الموضوع لصديقك:

send