Social Share Toolbar

الطائفية والعنف

16

كيف حدث ما حدث؟ كيف وصلنا إلى هذه الحال من التمزق الطائفي والعنف الهمجي؟ ولماذا؟ هذا القتل والنحر والحرق والسحل وكل أشكال العنف اللا مسبوق وبدوافع طائفية، هذا الفعل وهذا الفاعل، هل هي مؤامرة ومخطط قبيح وقميء؟ أم هو فعل ذاتي ينبع من تربية عتيدة وقناعة راسخة بما يقوم به الفاعلون من جرائم؟ باعتبار أنهم صوت الحق عندما يصرخون الله أكبر وهم ينحرون!

هل يُعقل ما يحدث أمامنا من مجازر؟ وكأن من يقترفها خلقه الله بلا قلب، فما السبب ومن المُسبب؟

أعتقد أن هناك الكثير من الأسباب الذاتية والموضوعية لهذا الوضع، الأسباب الذاتية التي نحن طرف أساسي فيها، من خلال طريقة تفكيرنا وسلوكنا وأفعالنا سواء شعوبا أو أنظمة، والتي نكرس فيها التخلف والضعف الفكري والاجتماعي، ولقد ناقشنا مجمل الأسباب الذاتية للتخلف الاجتماعي سابقا، ولمن يريد معرفة الأسباب الذاتية عليه أن يرجع إلى المقالات السابقة بدءا من 12 فبراير 2015.

أما الأسباب الموضوعية فهي أيضا عديدة، لكن أهمها اثنان، سنناقش السبب الأول في مقالنا هذا، ونؤجل السبب الثاني للأسبوع القادم، ويتمثل السبب الأول في العدو الصهيوني ودوره في تكريس التخلف الاجتماعي العربي والردة الحضارية، وكل قياداتهم تجاهر بذلك، فمثلا موشيه يعالون وزير الدفاع الصهيوني يقول: «نحن نستمتع بقتل أعدائنا لكننا نستمتع أكثر عندما يقتلون بعضهم البعض».

أما بن غوريون فلقد صرح عام 1947: «إن دولتنا لكي تعيش وتقوى عليها أن تفتت كل من العراق وسورية ومصر إلى دويلات صغيرة متناحرة».

لقد أرادوا إبعاد أنظار العالم عن القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني بخلق عشرات الدول العربية التي يعاني شعوبها المعاناة نفسها، لقد حاولوا ونجحوا في تكرار تجربة الشعب الفلسطيني في كل دولة عربية، قتل وتشريد، شعوب لاجئة بلا أرض ولا مأوى، العراق وسورية والسودان وحتى دول المغرب العربي لم تسلم منهم وحاولوا تكرارا التجربة فيها، على الرغم من البعد الجغرافي عن مركز الصراع لكنهم يدركون حجم التواصل العربي، لذا بدأوا من الجزائر وحاولوا تقسيمها ثم حاولوا في ليبيا ونجحوا، وحاولوا مع تونس وفشلوا، وأمدوا كل الحركات المتطرفة بالمال والسلاح، حملت طائراتهم آلاف الأطنان من قطع السلاح الحديثة ورمتها من الجو على أراضٍ عربية في سيناء والعراق وليبيا والجزائر وتونس لدعم التنظيمات الإرهابية المتطرفة التي صنعوها، لكي يحققوا أهدافهم، ليقتل العربي أخاه، ولكي يقتل المسلم المسيحي، والسني يقتل الشيعي، واستطاعوا تحقيق ما أرادوا، وفي غضون سنوات قليلة أصبح القرار الأميركي رهينا للصهيونية العالمية، وصار الصهاينة يحكمون أميركا ومن خلفها يحكمون العالم أجمع.

يشعلون الحروب من أجل ازدهار تجارة السلاح ورواج مصانعهم، ويدخلون الأراضي بأسماء عدة، «داعش» و«النصرة» وغيرهما، وأول ما يفعلوه هو هدم صرح الحضارة العربية في أي بلد يحتلون، يدمرون المدن والمناطق الأثرية، يحطمون المتاحف وكل رموز الثقافة، ويسرقون الآثار والتحف النادرة ويحرقون الكتب والمخطوطات الثمينة، ويعملون على إبادة كل أشكال الحضارة، ويلاحقون العلماء والمبدعين ويتصيدونهم واحدا تلو الآخر. وآخر الأدلة التي كشفت عنها المخابرات المصرية هي اعترافات صدرت في كتاب حفيدة الممثلة اليهودية المصرية راقية إبراهيم التي اعترفت إن جدتها الممثلة قد تم تجنيدها من قبل الموساد لقتل عالمة الذرة المصرية سميرة موسى واستطاعت فعلا.

ولا يمكن للمرء ألا يلاحظ الأصابع الصهيونية السوداء في الترصد لأي زعيم عربي يريد الوئام الوطني ويسعى إلى التقارب بين مختلف الطوائف والأعراق في الوطن الواحد، وبين مختلف الأقطار العربية، لتتم تصفيته سرا أو علنا، قتلوا جمال عبد الناصر، وقتلوا رفيق الحريري وغيرهما عشرات.

هذا بالنسبة إلى الدور الصهيوني والأميركي المتصهين، والماسونية العالمية التي يحركها الصهاينة، لكن هناك أيضا عاملا موضوعيا آخر لا يقل أهمية عن السبب الأول، وسنتطرق إليه في مقال الأسبوع القادم.

بقلم د/أنيسة فخرو

أرسل الموضوع لصديقك:

send