Social Share Toolbar

الأفكار على قارعة الطريق

 

9قال الجاحظ قبل مئات السنين “إن الأفكار ملقاة على قارعة الطريق”، وحين واجهتني هذه العبارة للمرة الأولى في قراءاتي، كنت أتساءل بعناد عن كيف يكون ذلك؟ وكيف تكون الأفكار ملقاة على قارعة الطريق، في حين أن الفاشلين والمتعثرين في هذه الحياة أكثر من الناجحين والمتقدمين فيها؟!
وسارت الأيام وسرت معها، فأخذت مني وأعطتني وأخذت منها وأعطيتها، لأتعلم شيئا فشيئاً بالتجربة والبرهان أن النجاح لا يمكن أن يطير بعد توفيق الله إلا بجناحين، جناح الفكرة الرائدة المتميزة، وجناح آخر، هو الأهم عندي من سابقه، ألا وهو جناح الهمة العالية والحماس المتقد والمتواصل لوضع هذه الفكرة محل التطبيق. حينها، وحينها فقط، يكون النجاح، وعند ذلك أدركت تماماً ما كان يريده ذلك العظيم الجاحظ!
إن الأفكار المتميزة الجميلة، بالفعل كثيرة جداً، حتى كأنها اليوم قد صارت من كثرتها ملقاة على قارعة الطريق، وكثيرون هم أصحابها من حولنا، فكم من مرة رأيت ورأيتم من يقول لنا عندي فكرة متميزة؟ مرات عديدة ولا شك، ولكن كم من مرة رأينا من يقول عندي فكرة، وبدأت بالفعل بتطبيقها والعمل على تحقيقها؟ القليل… بل لعله القليل جداً!
صدق الجاحظ يا سادتي… إن الأفكار ملقاة على قارعة الطريق، كما قال، لكن الناجحين حقًا هم من يملكون تلك الهمة العالية وذلك العزم المتواصل لوضع التفكير والكلام محل الفعل والتطبيق، بل إن الكثير من الناجحين جداً، وهذه هي الفكرة الأهم من كل ما سبق، لم يكونوا دائما هم من أنتجوا الأفكار المتميزة بالضرورة، بل حسبهم أنهم كانوا أصحاب الهمة العالية واليقظة الحادة ممن أحسنوا البحث والتقاط الأفكار الجيدة الواعدة من حولهم، التقطوا فكرة أو اثنتين أو ثلاثاً، من عشرات الأفكار التي يلقيها قليلو الهمة والعزم على قارعة الطريق يومياً، فأخذوها وهذبوها وشذبوها وصنعوا منها أشياء عظيمة.
والتاريخ يدلنا على كثير من المخترعات العظيمة التي جاءت بهذه الطريقة، ولقد صدق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تلك المقولة التي أعشقها، وأكررها كثيراً: يطير المرء بهمته كما يطير الطائر بجناحيه!

 

د. ساجد العبدلي

أرسل الموضوع لصديقك:

send