Social Share Toolbar

كاذبون

 

31ما زالت أصداء الحوار الذي أجرته “الجريدة” مع المرشد السابق لجماعة “الإخوان المسلمين” مهدي عاكف تتردد بقوة في مصر؛ خاصة أنه انطوى على العديد من الأخبار المهمة التي استبقت أحداثاً متوقعة أو ألقت الضوء على مواقف وسياسات تتخذها الجماعة.
ورغم الأهمية الواضحة لما كشف عنه هذا الحوار المهم من أفكار وأحداث، فإن المجال العام انشغل بقضية بدت هامشية تتعلق به؛ إذ نفى المرشد السابق أن يكون قد قال ما نُسب إليه منشوراً في هذه الصحيفة، وتنصل منه تماماً، وهو الأمر الذي عالجته “الجريدة” بنشر نص التسجيل الصوتي للمقابلة، الذي كشف بالطبع أن فضيلة المرشد السابق “لم يكن يقول الحقيقة” عندما أنكر إجراء الحوار.
الكذب في أبسط تعريف له هو “الإخبار بالشيء على غير حقيقته”، ويكون الكذب كذباً حتى لو لم يكن متعمداً، أما التعمد فهو فقط شرط الإثم، وقد حرمت كل الأديان السماوية الكذب تحريماً شديداً، كما أنه مدان في معظم الأديان غير السماوية، ومُحارب بشدة في كل نسق أخلاقي وفي أي منظومة قيمية.
لماذا يكذب الإسلاميون عند انخراطهم في السياسة إذن؟ ولماذا يُفضح كذبهم عادة؟ ولماذا يعودون إلى الكذب مرة أخرى؟ ولماذا لا يتأثر أتباعهم بذلك؟ وما انعكاسات ذلك على الدين والسياسة؟
بداية يقتضي الإنصاف القول إن كثيراً من الزعماء والسياسيين والناشطين يكذبون عندما يمارسون السياسة؛ بل إنه صار مفهوماً مثلاً أن مهناً بعينها؛ مثل مهنة “الدبلوماسي” و”المتحدث الرسمي” يمكن أن تنطوي ممارستها على مساحة من الكذب أحياناً.
وثمة توافق على تسويغ الكذب في الإسلام، استناداً إلى أحاديث نبوية شريفة، في حالات ثلاث محددة؛ أولاها وقت الحرب مع الأعداء، وثانيتها عند الإصلاح بين الأقوام المتخاصمين، وثالثتها بين الزوجين عند محاولة تعزيز جسور المودة والسكينة.
وبعيداً عن تلك الحالات الثلاث كان الكذب إسلامياً منبوذاً ومحرماً تحريماً شديداً، بل إن الرسول الكريم (صلى الله وعليه وسلم) يقول: “أربعٌ من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خَصْلةٌ منهن كانت فيه خَصْلَةٌ من النفاقِ حتى يدعَها: إذا اؤتُمِنَ خانَ، وإذا حدَّثَ كذبَ، وإذا عاهدَ غَدرَ، وإذا خاصمَ فجرَ”.
وقد ورد لفظ الكذب في القرآن الكريم في 251 موضعاً؛ منها قوله تعالى في سورة “البقرة”: “وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ”، وفي سورة “المنافقون”: “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ”.
ليس هناك إذن من تفسير منطقي لما يقوم به “إسلاميون” (يفترض أنهم ينتمون إلى مشروع أخلاقي مستمد من قيم الإسلام وتعاليمه)، من كذب متتال، سوى أنهم يتعاملون معنا بوصفنا “أعداء” في حرب، طالما أننا سنستبعد الرخصتين الأخريين؛ أي إتاحة الكذب بين الأزواج، وعند الإصلاح بين الأقوام المتحاربة.
يبدو أن هذا هو السبب الحقيقي الذي يدعو هؤلاء إلى استمراء الكذب من دون أي تردد أو وجل، بل إننا لم نسمع أيضاً عن محاسبة داخل جسم الإسلام السياسي نفسه لهؤلاء الذين ثبت كذبهم بوضوح من بين القادة والأعضاء.
الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل مثلاً، كان مرشحاً رئاسياً محتملاً في مصر، وكانت لديه حظوظ واضحة بسبب أتباعه الكثيرين المنتشرين في المناطق المهمشة والفقيرة، لكنه أقصي من الانتخابات بعدما تبين أنه لم يقل الحقيقة بشأن جنسية والدته، التي أثبتت الوثائق أنها حملت الجنسية الأميركية بخلاف ما تنص عليه شروط الترشح لمنصب الرئيس في مصر.
والنائبان السلفيان البلكيمي وعلي ونيس أيضاً تورطا بعدم قول الحقيقة في أعقاب ارتكابهما جريمتين مخلتين بالشرف؛ إذ ادعى أحدهما كذباً الاعتداء عليه وسرقة أموال “تخص الدعوة” منه، بينما كان في الواقع قد خضع لجراحة تجميلية، في ما ضُبط الثاني في سيارته في وضع مخلّ مع إحدى الطالبات في طريق مظلم.
ولم يكن عاكف القيادي الكبير الوحيد الذي تورط في “الإخبار عن الشيء على غير صحته وهو يعلم ذلك”؛ إذ يمتلك الرئيس مرسي باعاً طويلاً في ذلك؛ منذ بدأ بالقول إنه عمل “مستشاراً في مؤسسة (ناسا)”، ثم عاد ونفى، وحين وصف اليهود بـ”أحفاد القردة والخنازير”، ثم عاد وتراجع.
لقد نفى مرسي أن يكون بصدد إعادة مجلس الشعب (الغرفة الأولى في البرلمان) المنحل، ونفى زيارته لإيران في شهر أغسطس الماضي، وكذّب الأنباء عن استقالة نائبه محمود مكي، وأنكر إرسال رسالة إلى نظيره الإسرائيلي شمعون بيريز، ورفض بشدة الأنباء عن نقله سلطة التشريع إلى مجلس الشورى (الغرفة الثانية في البرلمان)، كما شدد على أن الرئاسة لم تتقدم بأي بلاغ في حق صحافيين أو إعلاميين بأي تهمة تتصل بحرية الرأي والتعبير، ثم عرفنا لاحقاً، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الرئاسة لم تكن تقول الحقيقة، وأنها كانت تعلم أنها لا تقول الحقيقة.
يكذب إسلاميون إذن بكل الطرق وفي كل الأوقات، يكذبون وهم يعلمون أنهم يكذبون، يكذبون من دون رخصة أو إتاحة، ولا يحاسبون أنفسهم، ولا يعتذرون عن الكذب، ولا يتوقفون عنه.
يقول علماء علم النفس الاجتماعي إن الأطفال يكذبون في مراحل سنية مبكرة جداً، لكن قدرتهم على سبك الكذب والنجاة به تتطور مع الوقت؛ إذ يبدأ هؤلاء بالكذب في الرابعة والنصف من العمر مثلاً، لكنهم في هذا التوقيت بالذات لا يكونون قادرين على إنشاء أكاذيب يمكنها محاكاة الواقع، وبالتالي يسهل كشفها بما أنها لا تقوى على الصمود أمام المنطق، لكن هؤلاء العلماء يقولون إن الأطفال الذين يفتقدون الوازع الأخلاقي، يستمرون في الكذب بعد تطوير قدراتهم على السبك ومحاكاة الواقع بقصصهم المختلقة وسد ثغراتها.
يبدو أننا أمام فصيل سياسي بلا خبرة أو تجربة، وبسبب عمله السري تحت الأرض على مدى عقود طويلة، فإنه عاجز عن محاكاة الواقع بأكاذيبه، التي كثيراً ما تُفضح وتُكشف حقيقتها.
سيتعلم الإسلاميون تكنيكات الكذب مع الوقت، وستكون أكاذيبهم أكثر إتقاناً.
لكن السؤال الذي سيظل مطروحاً بإلحاح يتعلق بموقع الكذب في سلم القيم التي يؤمنون بها، وكيف سيقنعون أتباعهم بمشروعهم الأخلاقي أو السياسي الذي يريدون الوصول إليه عبر التصاقهم بإحدى آيات تتحدث عن المنافق، وكيف سيسد المناصرون البسطاء الذين يصوتون لهم في الانتخابات تلك الفجوة الآخذة في الاتساع بين فصيل سياسي يقول إنه جاء ليقيم دولة الإسلام، وفي الوقت ذاته يفعل بانتظام ما يعرف المسلمون أنه ليس من أخلاق المسلم.
إنها معضلة حقيقية؛ إذ يسيء استمرار بعض الإسلاميين المنخرطين في السياسة في الكذب على هذا النحو إلى السياسة وإلى الدين والمتدينين في آن، وسيظل الأمل في هدايتهم وتوقفهم عن الكذب قائماً فقط إذا تابوا؛ لأن المولى عز وجل قال في كتابه الكريم: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ”.

 

 

ياسر عبد العزيز

أرسل الموضوع لصديقك:

send